الرئيسية / التاريخ الاسلامي / الدور العلمي لإبن مسعود في الكوفة
الدور العلمي لإبن مسعود في  الكوفة

الدور العلمي لإبن مسعود في الكوفة

المقدمة

يعتبر عبد الله بن مسعود أحد الصحابة المشهودين في تاريخ الإسلام. وقد اتفقت جميع مذاهب المسلمين على علمه وجلالة قدره في العلوم الخاصة بالقرآن والحديث والفقه، وكانوا يستندون إلى أقواله وأحاديثه بحيث يقول ابن كثير (ت 774 هـ) أن سوى كثيراً ما يستند في أقواله ورواياته إلى ابن مسعود وابن عباس ، ويقول إن الأحاديث الواردة عن ابن مسعود في المصادر المعتبرة 848 حديثاً في بينها 64 حديثاً يتفق عليها البخاري ومسلم و21 حديثاً ينفرد بها البخاري و35 حديثاً ينفرد بها مسلم. ونستطيع أن نلخص الأحاديث المنقولة عن ابن مسعود إلى أقسام هي: أحكام الصلاة، الزهد، الأخلاق، التفسير، التاريخ ومعرفة الصحابة، ملاحم الفتن والبشارة بالمهدي × .
وفي هذا البحث لا نستطيع الخوض في كل نشاطاته في حياته وإنما سنقتصر على البحث من أسلوب عمل هذا الصحابي في فترة بقائه في مدينة الكوفة، سواء ضمن مذهبه في الحكم، أو في ضلال تدريسه للقرآن، وكذلك سنقوم بتحليل القيمة العلمية له في التفسير والفقه أن شاء الله. وكذلك سنتحدث عن مدى
تأثير هذه الشخصية في مدينة الكوفة بشكل خاص، حيث استطاع أن يتخذ أسلوباً خاصاً به في علوم الفقه والقرآن.

نظرة عامة على حياة ابن مسعود:

هو عبد الله بن مسعود بن غافل بن حبيب بن شَمخ بن فار بن مخزوم، كنيته أبو عبدالرحمن وأمه اُمّ عَبد بنت عبد ود بن سواء، وحول قضية دخوله في الإسلام يذكر المؤرخون رأيين:
الأول أن ابن عبد بر (ت 462 هـ ) يشير إلى إسلامه بقوله: أنه أسلم مع سعد بن زيد وزوجته فاطمة بنت الخطاب ويرجع سبب ذلك إلى دعاء الرسول|، فالرسول | وأبو بكر في أثناء هجرتهم إلى المدينة التقيا بابن مسعود في الصحراء وكان شاباً راعياً للأغنام، وكان رسول الله |، قد دعا الله له بزيادة حليب أغنامه وأستجيبت الدعوة .
ولكن هناك قول آخر يذكر بان دخوله الإسلام كان قبل دخول رسول الله | إلى دار الأرقم . يذكر أبو نعيم: ان ابن مسعود سادس شخص دخل الإسلام . وهو أول إنسان من صحابة الرسول كان يتلو القرآن بصوت عالٍ وبشكل مستمر، وقد شارك في الهجرتين إلى الحبشة، حيث ذكر ابن عبد بر أنه شارك في الهجرتين، الأولى عند الهجرة إلى الحبشة، والثانية عند الهجرة من مكة إلى المدينة المنورة، كما أنه صلى باتجاه القبلتين .
ويقال إن رسول الله × آخاه مع الزبير بن العوام أو معاذ بن جبل بعد هجرته إلى المدينة وهناك قول آخر يقول: أنه آخاه مع سعد بن معاذ أو ابن عباس أو أنس بن مالك
وقد شارك ابن مسعود في مبيعة الرضوانِ وفي غزوة بدر، كما أنه قطع رقبة أبو جهل في المعركة. وفي معركة أحد كان أحد الصحابة الأربعين الذين وقفوا إلى جانب الرسول × . وكان يساعد النبي في بعض أعماله أثناء السفر كإعداد الفراش له أو تهيئة مسواكه ونعليه ووسائل التطهير الأخرى.
أسم زوجته زينب بنت عبد الله ثقفية، ولكن أحمد بن حنبل (ت241 هـ ) ذكر اسم زوجته زينب أو زينت على قول آخر . ويظهر (على الأقوى) أن القول الثاني محرف والأصح زينب، لأنه ورد في كثير من المصادر ولم يرد اسم زينت بسوى مرة واحدة في هذا الرأي. وأمّا شكله ومظهره الخارجي فأكثر المصادر تشير على أنه كان ضعيف البنية، قصير القامة، أسمر الوجه، فطناً، وكان يلبس البياض، وكثيراً ما يستعمل الطيب إلى حد أنهم يعرفون بوجوده ليلاً من خلال رائحة عطره.
أما عن حياته الدينية فقد اختلفت السنة والشيعة في ذلك، فيعتقد الشيعة أن عبد الله بن مسعود كان واحداً من الذين صلّوا على جسد فاطمة الزهراء÷ . كما أنه صلّى على جسد أبي ذر في الربذة أثناء رجوعه من الكوفة إلى المدينة ، وفي هذا دليل على اعتراضه ورفضه للوضع الحاكم آنذاك.
ومن خلال الأحاديث المنقولة عنه نعرف أن الخلفاء من بعد الرسول 12 خليفة بعدد نقباء بني إسرائيل (إشارة إلى الأئمة الأثني عشر) وكذلك رواياته حول ظهور المهدي× ، كل ذلك يبين اتجاهه الديني والعقائدي من هذا المجال. كما نجد من المقابل مجموعة أخرى من الشيعة يعتقدون أن ابن مسعود لم يقبل بولاية أمير المؤمنين × ولم يعترف به ويستندون في أقوالهم هذه إلى أدلة معينة منها: أن عبد الله بن مسعود هو أحد الذين بايعوا عثمان أول خلافته، وكذلك نجد في بعض رواياته وفتاواه رأياً يخالف آراء الإمامية ورواياتهم، ينقل الشيخ الكليني رواية عن الإمام الصادق× يعتبر فيها قراءة ابن مسعود للقرآن قراءة ضلّة ، وعلى قول الشيخ الصدوق أيضاً عن الإمام الصادق × أن قراءة ابن مسعود للقرآن تبطل صلاة المسلمين ، كما يقال ان فضل بن شاذان أجاب عن سؤال أحد الناس ان ابن مسعود يميل برأيه إلى أبناء السنة ويعتبر الناطق الرسمي لهم .
كما ان العلامة التستري يرد على رواية صلاته على جنازة أبي ذر ويقول ان هذا الخبر جاء على لسان سيف بن عمير الناصبي والذي لا يُستَند إلى رواياته أبداً . وعلى كل حال هناك اختلاف شاسع بين الباحثين والمؤرخين حول فكر وعقيدة هذا الصحابي على مر الدهور والأيام، وكل مجموعة تستند إلى أدلة وبراهين خاصة.
ولكن النقطة المهمة التي أثارت اهتمامي هي أنه يجب أن لا تغفل عن السيرة العملية والطريقة الفعلية للناس في طوال حياتهم إلى جانب الأقوال والروايات المنقولة عنهم في المصادر التاريخية والروائية، وإذا أخذنا هذه المقاييس والأدلة وقارناها سوية سوف نصل الى طبيعة العقيدة والأفكار التي تحلّى بها هؤلاء الرجال المؤثرون في التاريخ، وذلك من المؤكد أن حياة هؤلاء الناس لا تخلو من توجيهات سياسية معينة أو إخفاء قضايا معينة في مصلحةً ما.
وفي النهاية توفي عبد الله بن مسعود في المدينة بعد أن صلى عليه عمار أو الزبير أو عثمان ودفن بجانب قبر عثمان بن مظعون، وذكر العسقلاني (ت 852 هـ ) أنه دُفن ليلاً ونقل صاحب الاستيعاب أن عثمان لم يعلم بدفنه آنذاك وعاتب الزبير على ذلك .

هجرة عبد الله بن مسعود إلى الكوفة:

ذكر ابن سعد (ت 230 هـ) أن ابن مسعود أراد الهجرة إلى حمص في البداية، ولكن بسبب خلافه مع عمر أُرسل إلى الكوفة ، ولم نجد في المصادر الأخرى من تحدث عن هذا الموضوع، ولكننا نستطيع أن نرجع سبب هذه الهجرة إلى الموقع الجغرافي والاستراتيجي المهم للكوفة وكذلك لوجود كثير من الصحابة والجنود المستعدين للقتال في تلك المدينة. لا شك ان هؤلاء الجيوش يحتاجون إلى معلم عالم وقادر على تعليم العلوم والمعارف القرآنية من بين صحابة الرسول ولهذا السبب نجد أن هنالك نصاً صريحاً حول هذا الموضوع ورداً في رسالة من عمر إلى أهالي الكوفة وفيها تعيين عمار بن ياسر أميراً وابن مسعود وزيراً لهم ، والتاريخ يشهد لأبن مسعود بأنه كان يملك داراً وأرضاً في الكوفة وجاء في رواية أخرى ان أول شخص في الكوفة بنى بيته من الطابوق مع خباب ابن أرت عبد الله بن مسعود . ينقل لنا أبو نعيم الأصفهاني عن عبد الله بن أبي هذيل: عندما بنى ابن مسعود بيته قال لعمار، انظر ما بنيت. فنظر إلى بيته وقال بنيته محكماً فطال أملك و أنك ميت قريب .

مناصب عبد الله بن مسعود في الكوفة:

تذكر بعض المصادرأن تنصيب ابن مسعود في الكوفة من قبل عمر كان للقضاء فقط ، في حين هنالك مصادر أخرى تصرح بأن عمر عين ابن مسعود مسؤولاً عن بيت المال ، وهنالك أقوال أخرى جمعت بين القولين واعتبرت ابن مسعود كان في منصب القضاء بيت المال . ومن المتوقع ان ابن مسعود قد شغل المنصبين القضاء فترة معينة وإدارة بيت المال في فترة أخرى أثناء خلافة عمر، ففي هذه المدة سجل أعلى نسب في نشاطاته العلمية والحكومية، حيث أمضى فترة خلافة عثمان وقد قلل من نشاطاته إلى حدّ عزله من قبل الخليفة.
ولكن في فترة خلافة عمر توسع في نشاطاته إلى درجة عندما طلب أبو موسى الأشعري من عمر أثناء فتح (تستر) أي ( شوشتر)، أن يبعث له مساعداً. فكتب عمر لعمار في رسالته: يُنصب عبد الله بن مسعود أميراً بدلاً عنك وأذهب مع القسم الباقي لنصرة ابن موسى .
ولهذا نجد أن ابن مسعود أضاف إلى سجل أعماله الحكم إلى جانب نشاطاته السابقة في التعليم والقضاء وإدارة بيت المال. لكننا لا نستطيع الحصول على معلومات مفيدة وواضحة حول أسلوب عمله في الحكم.
نزاع سعد بن أبي وقاص مع عبد الله بن مسعود:
استقر سعد بن أبي وقاص في الكوفة بعد النصر الذي حققه في معركة القادسية وتحرير تلك المدينة وبسبب المكانة الاجتماعية التي حصل عليها إزاء فتوحاته نصبه عمر للحكم في الكوفة واستمر في هذا المنصب حتى فترة خلافة عثمان، وبسبب الحادثة التي حصلت فيما بينهما (بينه وبين ابن مسعود) عزله عثمان عن الحكم وسلم ذلك المنصب إلى وليد بن عقبة، تفاصيل الحادثة كالآتي :
اقترض سعد مبلغاً من بيت المال عندما كان ابن مسعود مشرفاً عليه وعندما طُلب منه إرجاع المال لم يدفع وطلب مهلة من ابن مسعود وجرت مباحثات عديدة بينهما. واستناداً إلى بعض الأقوال فإن سعد المعروف بعصبته وشدة غضبه ضرب عصاه على الأرض وأراد أن يلعن ابن مسعود. ولكن ابن مسعود دعاه إلى حسن الخطاب، وعندما وصلت القضية الى عثمان اعتبر سعد مقصراً في هذا الموضوع فعزله عن منصبه وأعطى المنصب إلى الوليد وبقى ابن مسعود في منصبه ، وهنالك مصادر أخرى تنقل هذه الحادثة في فترة حكم الوليد بن عقبة وان الخصام كان بينه وبين ابن مسعود .
ويمكننا ان نقول إنّ الحادثتين قد حصلتا ولكن بفرق واحد هو ان سعد اقترض من بيت المال ولكن الوليد مد يده على بيت المال وأخذ مبلغاً بدون إذن من أحد وسنشير إلى ذلك فيما بعد.

سكر الوليد وموقف ابن مسعود:

نصب عثمان الوليد بن عقبة بن أبي معيط حاكماً على الكوفة سنة 25 هجرية وهو نفس الشخص الذي نزلت بحقه الآيتان الشريفتان {إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ} ، {أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا لاَّ يَسْتَوُونَ} ، وكان معروفاً بشربه المفرط للخمر وبإشعاره. كما أن الوليد هو نفسه الشخص الذي صلى بأهل الكوفة صلاة الصبح بأربع ركعات . نقل الطبري (ت 301هـ) كان الوليد معروفاً في الكوفة بشرب الخمر وعندما ما اشتكى ابن جندب لأبن مسعود من كثرة شربه للخمر أجاب ابن مسعود: لا يليق بنا أن نبحث عن عيبٍ أخفاه الشخص عنا ونفضحه فَصَعُبَ على الوليد سماع هذا الكلام المنطقي من ابن مسعود فطلبه إلى دار الحكومة وعاتبه على هذا الكلام؛ ويواصل الطبري كلامه ويقول جرت مناقشة حادة فيما بينهما حول هذا الموضوع وانفصلوا وهم غاضبون .
وبنظرة عامة على السلوك العملي لأبن مسعود نستطيع أن نصل إلى نتيجة، هي أنه كان يمتلك شخصيته الخاصة التي يحاول من خلالها تهدئة الناس أمام المشاكل الإجتماعية والإعترافات التي يواجهها الناس ويدعوهم إلى القبول بكلام الحكام، كما وقد عرفنا ذلك من خطابه السابق مع ابن جندب «إننا لا نستطيع أن نفصح أمراً أُخفي عنا» .
ان اعتراض الناس على السلوك الشخصي للوليد بن عقبة أدى إلى التجاء الناس إلى ابن مسعود لاعتراض على مواقفه السلوكية وقد دعاهم إلى الصبر واستند إلى رواية من رسول الله | أن القبول بحكم الفاجر أحسن من القتل والكذب ، ولكن عند إعتداء الحاكم على بيت المال كان يواجههم ويبين الحوادث للناس فعلى سبيل المثال خصامه مع الوليد حول بيت المال .
على كل حال نستطيع أن نعتبر ابن مسعود رجلاً حكيماً وسياسياً حاذقاً لم تستطيع المناصب الحكومية أن تغير من علاقاته مع الكثير من عامة الناس. ولم تستطيع المنافع الشخصية للحكام أن تورط ابن مسعود آنذاك. فلا نرى وجود أي وصمة عار على صفحات تاريخ ابن مسعود وقد استطاع ان يبدع في منصبه كمعلم ومفسر للقرآن وكذلك استطاع أن يتمم كل واجباته بأحسن وجه ممكن.

عبد الله بن مسعود والسحر:

كان يصف السحر آنذاك هو العمل الذي يقرب الإنسان إلى الشيطان . وأما الشعوذة فتعتبر مجموعة من الاعتقادات والأعمال والفنون والطرق توظف للسيطرة على بعض الأمور الغيبية والأمور الطبيعية وتغييرها للوصول إلى أهداف ونوايا حسنة أو سيئة . وقد ورد من عصر قبل الإسلام أن أكثر السحرة كانوا من اليهود . وعلى رأي الدكتور جواد علي كان استعمال كلمة «السحرة، سحر، ساحر، ساحرون، مسحوراً، ومسحورون» في أي مكان من القرآن الكريم يدل على نقطة مهمة أن السحر كان كثيراً ما يؤثر على عقول الناس في شبه الجزيرة العربية في العصر الجاهلي . ومع بداية ظهور مدينة الكوفة ورجوع القبائل والطوائف العربية إلى هذه المدينة ليسكنوا فيها، وبسبب المعاملات الاقتصادية بين المسلمين واليهود و النصارى الساكنين في أطراف مدينة الكوفة حدث تحولٌ خفي في ثقافة أهل الكوفة فبسبب حبّ الإنسان إلى المواضيع الغيبية والقدرات الخارقة وجدنا في الكوفة سحرة ومشعوذين بين الحين والآخر. يذكر الطبري عن طلحة: جاءوا بساحر إلى الوليد ابن مسعود وسأله عن حد الساحر فأجاب ابن مسعود: وفي أين علمت أنه ساحر؟ أجاب الوليد؛ أولئك الذين جاءوا به يقولون ذلك؟ وسأل ابن مسعود هؤلاء القوم وقال من أين عرفتم بذلك؟ أجابوا: هو يدعي ذلك؟ حينما أدار ابن مسعود وجهه اليه وقال أنت ساحر؟ أجاب: نعم فذهب إلى حماره ودخل في ذيله وخرج من فمه فما أن رأى هذه الحادثة ابن مسعود حتى قال: اقتلوه فذهب الوليد…
وعندما وصل خبره إلى المسجد بأن هنالك رجلاً يقوم بالسحر عند الوليد فقام جندب وقتله.
وأضاف الطبري في حديثه «فبعد أن تكلم عبد الله والوليد حول هذا الموضوع قرروا حبس جندب وأخبروا عثمان فأجاب عثمان: يجب ان تخشوه اليمين على أن لم يكن يعرف برأيكم حول هذا الساحر فحاسبوه ثم أطلقوا سراحه» .
وبغض النظر عن مصدر هذا البحث المنقول هنالك ملاحظة تتعلق في صلب الموضوع سأشير لها حسب فهمي المتواضع.
أولاً: هنالك دقة متناهية لتبيين الحكم الشرعي عند ابن مسعود حيث أنه لأجل فهم حقيقة الرجل هل هو ساحر أم لا لم يكتفِ بالنقل، وكرر السؤال في الحضور وفي الشخص الحاكم (الوليد) وانتهى بالسؤال في الشخص نفسه، وبعد أن أقَرَّ الساحر بدعواه، ذكر الحُكم الشرعي وصرحَّ بقتله.
ثانياً: لم تكن الكوفة مدينة خالية من الصحابة أو كبار رجال الدين أو أصحاب الفتاوى وإنما استناداً إلى إحصائية أكثر التقارير ذكر بعض المحققين وجود 147 شخصاً من الصحابة كانوا يعيشون في الكوفة آنذاك وكلهم أصحاب وجاهة ومكانة خاصة في قبائلهم ومع هذا نجد في رجوع الوليد ابن مسعود في هذه المسألة بالذات دليلاً واضحاً على المكانة الخاصة التي كان يتمتع بها ابن مسعود بين الصحابة، إضافةً إلى أنه كان يعمل ضمن الجهاز الحاكم، وله مناصباً متعددة.
ثالثاً: هناك تناقض واضح بين أول الحديث وآخره، المقطع الاول يحكم ابن مسعود تقبله (الساحر) بعد أن يشاهد بأم عينه الدلائل التي تدينه. ولكن عندما يسمع بقتله على يد جندب يحكم بحبس جندب.
طبعاً من الممكن الإجابة عن هذا التناقض بأن ابن مسعود أراد أن يوضح بأن الحد الشرعي والحكم الشرعي يجب أن يقام على يد الجهاز الحاكم وليس أي شخصٍ كان ففي هذا الأمر فوضى وهدم للنظم الإجتماعية. ومع التأمل في الواقع العملي لأبن مسعود سيتضح المعنى بشكل أكثر.

النزاع بين ابن مسعود والوليد حول بيت المال:

يعتقد ان وجود بيت مال للمسلمين ظهر في زمن الرسول، فقد ورد أن المؤذن بلالاً كان مسؤولاً عن بيت مال المسلمين في فترة من زمن الرسول الأكرم| ولكن في الأحاديث والروايات الأولى لسيرة الرسول لم نجد أي تصريح على وجود مثل هذه المؤسسة وفي المقابل نجد في أكثر التقارير المنقولة أن كل الغنائم والصدقات كانت توزع بين الناس والمحاربين في نفس الوقت ولا يوجد أي أسم أو مؤسسة بهذا العنوان، وحول مسألة ظهور وتشكيل هذه المؤسسة يعتقد البعض أنه تم تأسيس بيت المال في زمان أبي بكر والبعض الآخر يعتقد ذلك في زمان خلافة عمر ، وذلك بسبب وجود عوامل مختلفة في زمن الخليفتين أدت إلى تأسيس هذه المؤسسة منها:
أولاً: تأسيس الدولة الإسلامية وبداية احتياجها إلى المؤسسات المالية وتوافد الثروات في كافة المدن والأقضية بسبب الفتوحات.
ثانياً: التأثر بالمؤسسات العالمية للساسانيين بين المسلمين وهذا ما أدى إلى يقين الكثير في الكتاب وأصحاب الدواوين من أجل حل مشاكل المسلمين في زمان الخليفة عمر، وفي زمن الخليفة عثمان كان بيت المال في المدينة وكان صاحب بيت المال يملك من الصلاحيات ما يحق له رفض إعطائه ذلك المبلغ، وبيت المال في المدينة كان يتغير مكانه حسب الظروف والأوضاع الموجودة آنذاك، ولكن في الغالب كان يقام في المساجد والجوامع ، وكان عثمان يتبع في إدارته لبيت المال طريقة خاصة به تختلف عن طريقة الخليفتين السابقين حيث قال هذه أموال الله، أعطيها لمن أريد وأضعها عمن أريد . والنزاع الذي حصل بين ابن مسعود والوليد كان في خلافة عثمان. وجذور هذه المشكلة ترجع إلى النظرة الخاصة لعثمان والعمّال القائمين على بيت المال، كما ورد على لسان ابن عبد ربه (ت 328 هـ) عن ابن سنان حيث قال: كنا جالسين في المسجد يوماً ما فدخل علينا ابن مسعود وكان مشرفاً على بيت المال آنذاك ووليد بن عقبة كان أميراً على الكوفة فقال ابن مسعود. يا أهل الكوفة لقد فقدنا البارحة من بيت مالكم مئة ألف ولم تصلني أي رسالة من أمير المؤمنين بذلك ولم يردني أي كتاب براءة ذمة حول هذا الموضوع، فقال ابن سنان: فأرسل الوليد برسالة إلى عثمان حول هذه المسألة فقام عثمان بعزله فوراً .
كما نقل البلاذري (ت 297 هـ) ان ابن مسعود كان يعترض على الطرق والبدع التي أدخلها على المسلمين في زمان خلافة عثمان وكان يشير إلى المحدثات السيئة التي دخلت على الإسلام حينها وكان يعتبر كل حادثة هي مُحدَثَه (كل عمل لم يكن في زمان الرسول ولا يوجد في سُنة) وكل محدث بدعة وكل بدعة ضالّة تلقى بصاحبها إلى النار وكان يقصد الوليد وعثمان فكلامه هذا .

عبد الله ابن مسعود والقرآن:

سنوضح هذا القسم من عدة جوانب وذلك بسبب كثرة النشاطات التي كان يقوم بها والآراء الخاصة التي كان يحملها ابن مسعود حول القرآن والمسائل المتعلقة به حتى نستطيع ان نفي بالغرض على قدر المستطاع قراءة ابن مسعود: حول موضوع قراءة ابن مسعود نجد في بعض الروايات الواردة في بعض المصادر اهتماماً شديداً وخاصاً بقراءة ابن مسعود.
مثل الرواية المنقولة عن ابن مسعود (ت 230 هـ) عن رسول الله | حيث قال: كل من أراد ان يقرأ القرآن كما نزل فليقرأ مثل قراءة ابن أم عبد . كما نرى عبدالله، بن عباس يفضل قراءته على جميع القراءات أيضاً . حسب نقل ابن عبد البر (ت 462 هـ) عن رسول الله | قال: تعلموا القرآن من أربعة أشخاص وبدأ بعبد الله ابن مسعود . وهذه الروايات لم تكن من الآخرين حول ابن مسعود فقط وإنما كانت تصدر حتى من ابن مسعود نفسه حيث كان يعتبر نفسه أعلم الناس بالقرآن حيث ورد عنه أنه قال: لو كنت أعلم أن هناك شخصاً أعلم مني بكتاب الله لسافرت إليه لأتعلم منه .
كما أنه بقى فترة طويلة بعد وفاة الرسول في الكوفة والمدينة ليُعلِّم القرآن للناس. وقد ذكرنا سابقاً أن بعض الصحابة مثل عبد الله بن عباس تعلموا القرآن منه وكانوا يأخذون بقراءته في بعض الأحيان .
وكانت قراءته في الأهمية كما ورد عن المحققين: كان عدد كبير من التابعين الكبار في الكوفة أمثال: أسود بن يزيد… زيد بن وهب، قد تعلموا القرآن في مجلسه وبقيت قراءته هي الأكثر والأغلب قراءةً في الكوفة. وبناءً على رواية الأعمش (ت 148 هـ) في أوائل القرن الثاني للهجرة، كانت قراءة مصحف ابن مسعود هي الأكثر تداولاً في الكوفة في قراءة مصحف عثمان ولكن بعد انقضاء النصف الثاني من هذا القرآن ازدادت قراءة مصحف عثمان تدريجياً حتى وصل الأمر في نهاية القرن الثاني للهجرة أن بقى عدد قليل جداً من الذين ذكروا قراءة ابن مسعود في رواياتهم.
ومنذ ذلك التاريخ ظهرت القراءات التي تعتمد على مصحف عثمان في الكوفة وبقى القليل من الذين يأخذون بقراءة ابن مسعود.
وفي الواقع ان القراءات الرسمية والمعتبرة في الكوفة هي قراءات عاصم وحمزة والكسائي وخلف وهؤلاء هم في القراء العشرة للقرآن، وكل هذه القراءات تحمل أصولاً في قراءة ابن مسعود .
وان لأبن حيان رأي آخر حيث قال في كتابه (بحر المحيط) كان ابن مسعود يعتمد في قراءته للقرآن على طريقة كتابة القرآن وكان يعلمه للآخرين على هذا الأساس .
وهذا الكلام الصادرعن ابن حيان غير صحيح لأنه وكما ورد في أكثر المصادر ان ابن مسعود كان يعترض على طريقة كتابة القرآن حتى في المصحف المشهور آنذاك، كان يقرأ الكثير في الألفاظ والكلمات بطريقة أخرى، ويدونها في مصحفه. ونشير على ذلك لاحقاً ومع ذلك وجدنا في بعض الأخبار الواردة عن أمير المؤمنين × عندما دخل الكوفة رَضى بقراءة ابن مسعود، وأعتبره فقيهاً في دينه وعالماً عارفاً بسُنة نبيه| ، ولكن ورد في بعض مصادر الشيعة عن الإمام الصادق× أنه قال نحن لا نقرأ القرآن بقراءة ابن مسعود، وإذا لم يقرأ ابن مسعود بقراءتنا فهو ضال . وكذلك نجد اعراض بعض حكام الكوفة عن قراءة ابن مسعود، حيث ورد؛ (ابن ألاثير ت 630 هـ) أن الحجاج بن يوسف الثقفي، قال: أقسم بالله أن أمرتكم أن تخرجا من هذه الباب وخرجتم من باب آخر لاستحللت دمائكم فلا أجد أحداً منكم يقرأ القرآن بقراءة ابن أم عبد (ابن مسعود) حتى أقطع رقبته وسوف أزيل قراءته من المصحف حتى لو اقتضى الأمر أزيل ذلك بعظم الخنزير . ومن الممكن أن نذكر الفرق بين قراءة ابن مسعود والمصحف الرائج عندنا وهو على ثلاثة أقسام:
1 ـ تغيير الكلمات:
القراءة المشهور: قراءة ابن مسعود:
{إِنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ} ان الله لا يظلمُ مثقال نملة
{يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} بل يداه بسطان
{مِن بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا} من بقلها وقثائها وثومها
{وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ} وأقيموا الحج والعمرة للبيتِ
{وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا} ولا تخافت بصوتك ولا تعال به

2 ـ تغيير الحروف:
{وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا} ومن تطوع بخير
{إِلاَّ أَن يَخَافَا} إلا أن يخافوا
{الْحَيُّ الْقَيُّومُ} الحي القيام

3 ـ حذف بعض الكلمات:
{وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} وتزودوا وخير الزاد التقوى
{أَو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} أو يغلب نؤته أجراً عظيماً
{إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ} إن تعذبهم فعبادكَ

مصحف ابن مسعود

المصحف هو الاسم الآخر للقرآن حسب تعبير التهانوي ومنذ بداية نزول الوحي كان كل صحابي يكتب القرآن على رقعة في الجلد ليستفيد من تعاليم القرآن في أي وقت يشاء. وهناك من الصحابة من يكتبون توضيحات أو تفسيرات لبعض الآيات في الحاشية، مثل سبب النزول.
وحتى المصحف الذي كتبه الإمام أمير المؤمنين علي × كان على أسباب نزول الآيات. ومثل ذلك مصحف ابن مسعود كما قال أبو حيان حول هذا الموضوع في التوضيح السابق. ولكن على الرغم من كل الأخبار الواردة في هذا الشأن يجب أن ننتبه إلى مسألتين مهمتين نبحث فيهما:
أولاً: من بين كل المصاحف الموجودة في مدينة الكوفة كان مصحف ابن مسعود ونوعية قراءته المرجع النهائي المهم في كتابة آيات الوحي الإلهي كما ذكر ابن سعد (ت 230 هـ) وأشار إليه أبو الأحوص .
ثانياً: حذفت بعض السور من مصحف ابن مسعود مثل سورة (الفاتحة، المعوذتين الفلق والناس) ونقل الإمام الباقر × حديثه قائلاً: «حذف المعوذتين من القرآن كان على رأي ابن مسعود الشخصي، وحرم × أن المعوذتين هما من سور القرآن» .
تفسير ابن مسعود:
بعد أن نزل القرآن الكريم على صدر رسول الله | كانت الآيات الشريفة تحمل مفاهيم عامة ولغرض توضيح هذه المفاهيم وتفسيرها احتجنا إلى توضيح خاص، ولهذا كان رسول الله|، أول مفسر للقرآن وفي كتاب السيوطي المتوفى سنة 911 هـ، (الاتقان في علوم القرآن) جمع فيه مجموعة من الأحاديث النبوية في باب تفسير القرآن واعتبر عشرة من الصحابة الأكثر شهرةً لمفسري القرآن، وهم الخلفاء الثلاثة وأمير المؤمنين× وابن مسعود وابن عباس وابن كعبي وزيد بن ثابت وأبو موسى الأشعري وعبد الله بن الزبير .
ومن بين الصحابة نجد أن الإمام علياً × وعبد الله بن مسعود هما الأكثر خطاً في تبيين وتفسير الآيات في مدينة الكوفة ونقل ابن الجوزي عن ابن أبي ليلى عندما كانت تجتمع أصحاب ابن مسعود عنده يفتحون القرآن ويتلون آياته وكان يفسر لهم الآيات ، وقد اعتقد البعض ان هنالك بعضاً ومن الصحابة نقلوا التفسير المذكور كجزء من القراءة، فأصبحت قراءاتهم للقرآن إضافات معينة وخاصة بالآيات المنقولة عن ابن مسعود وابن أبي كعب . وهذا الرأي غير صحيح لأننا سنعرف جيداً من خلال المتون والروايات والأحاديث أن ما سوى القراءات المتنوعة الموجودة هناك والمختلفة تماماً عن القراءة المشهورة توجد روايات حول تفسير ومسألة نزول الآيات المنقولة عن ابن مسعود وهي لاتمت بأي صلة إلى نوع قراءته لتلك الآيات الشريفة، وإنما تطرق إلى تفسير الآيات وأسباب نزولها بشكل مستقل.

مخالفة ابن مسعود لتوحيد المصاحف:

في باب تدوين وجمع القرآن (منذ البداية وإلى الآن) لا يوجد اختلاف أو اتفاق على رأي موحد لدى الباحثين والمؤرخين في مجال العلوم القرآنية، وإنما عندما نبحث في الروايات التي تعتبر عثمان المسؤول عن مهمة كتابة وتدوين القرآن وأن الحدث كان في زمن خلافته، ولكن بقى هنالك اختلاف كبير من نفس هذه الروايات.
فالفرقة الأولى تذكر أن عثمان عينْ زيد بن ثابت وابن الزبير وسعيد و عبد الرحمن لكتابة وتدوين القرآن، والفرقة الثانية تذكر أن عثمان عيّن زيد بن ثابت لكتابة القرآن وكان سعيد يملي عليه، والفرقة الثالثة تذكر أنّ الخليفة عين عثمان ثقيف لكتابة القرآن وهذيل كان يملي عليه، والفرقة الرابعة تذكر أن ابن أبي كعب كان يملي القرآن وسعيد يُعَرِبُه . وعلى الرغم إننا لسنا في صدد البحث في الروايات الموجودة في باب تدوين وجمع القرآن ولكن نطلب من القراءة الأعزاء قراءة كتاب البيان لآية الله الخوئي (ره) لزيادة المعلومات والوصول إلى إجابة واضحة عن مثل هذه الروايات، وبشكل مختصر يجب أن نعرف متى تم تدوين وجمع القرآن وفي أي زمان؟ ولكن جميع المؤرخين والباحثين اتفقوا على أن توحيد المصاحف جرى في زمن عثمان، وذلك بسبب الاختلاف الموجود في القراءات ما بين أهل الكوفة وأهل البصرة مما دعا الصحابة إلى أن يوجدوا المصاحف وقد خالف ابن مسعود هذا العمل بشدة وقال لأهل الكوفة: كل من يملك مصحفاً ليحفظه بسلسلة ، وفي رواية أخرى أن ابن مسعود هدد حذيفة بالقتل عندما اقترح على عثمان توحيد القرآن ، وكذلك استهان بزيد بن ثابت لأنه قام بهذه المهمة واعتبره طفلاً صغيراً يلعب مع الأطفال في زمان الرسول| ، وكذلك جاء في قول آخر أن ابن مسعود قال: عندما آمنتُ بالإسلام لم يكن زيد بن ثابت إلاّ صلباً في ظهر أبيه الكافر .
الجدير بالذكر إننا لحد الآن لم نعرف السبب الحقيقي وراء مخالفة ابن مسعود لتوحيد المصاحف وبهذه الحدّة. ولكن ربما لو أعطى عثمان هذه المهمة ووكّله على هذا الأمر تَذَمّر إلى هذه الدرجة وكذلك نرى في قول أحمد أن ابن مسعود دعا أهل الكوفة إلى ابتاعه في القراءة .
أما بالنسبة لموضوع زيد بن ثابت فلم يعتبره مؤهلاً لهذا العمل ولو من المحتمل أنه كان يتأمل أن يحصل هذا الأمر بعد استشاره الصحابة الكبار والمقربين عند رسول الله | وليس على يد زيد بن ثابت الذي لم يكن سوى طفل صغير في حياة الرسول|.

عبد الله بن مسعود وتبينه للأحكام

هنالك 500 آية في القرآن تعرف بآيات الأحكام وفيها بين الله جل وعلا لعباده مجموعة من الأحكام سواءً القيام بعمل ما أو ترك عمل ما، ولرسول الأعظم | هو المشرّع الأصلي، والواضع للأحكام في كثير من المواقع حسب ما يسمع به الناس آنذاك وعلى مستوى استيعابهم ولكن يمكن القول: في زمان الرسول الأكرم لم يكن يتطرق إلى فرع الأحكام، وغالباً ما كان يعمل على توضيح المسائل العقائدية والأخلاقية في المجتمع واستمر هذا إلى زمان الإمام الباقر × ومن هذه زمن الإمام الصادق × وقد انتشرت هذا الزمان النظريات الفقهية في الفروع والأحكام وثم جاءت فترة أفول في المسائل الفقهية عند أئمة الشيعة، وذلك بسبب الظروف الاجتماعية الصعبة التي كانت تطوق الأئمة الهداة ^ ولكن كان الصحابة الذين قضوا حياتهم بصحابة رسول الله | وعدد من الصحابة الذين قضوا طفولتهم مع رسول الله | لم يتوانوا من إصدار الفتاوى ووضع بعض الأحكام بين فترة وأخرى مثل أبو هريرة الذي روى 5374 حديثاً عن الرسول الأكرم | واستند الشيخ الطوسي إليها في كتاب الخلاف ونقل 51 فتوى عنه وكذلك الشيخ تقي الدين السبكي جمع قسماً من فتاواه وجعلها تحت عنوان فتاوى أبو هريرة في الوقت الذي لم يدرك أبو هريرة الرسول سوى ثلاث سنوات فقط ، وحتى زيد بن ثابت روى عنه 30 فتوى في كتاب الخلاف، ولم يكن سوى طفل صغير في زمن الرسول|.
وهنالك فريق آخر من الصحابة لم ينقلوا أي حديث عن رسول الله | لأنهم لم يُدرِكوا حياته فترة طويلة، وفي المقابل نجد بعض الصحابة مثل ابن مسعود الذي وافق رسول الله | في سفرِه وحضره يجوز لنفسه الحق في إعطاء الفتوى وتبيين الأحكام بشكل أكثر من الآخرين، علماً أن الأئمة ^ لم يوافقوا على بعض من هذه الآراء الفقهية وقد اعتبر اليعقوبي (ت 292 هـ) ان ابن مسعود من فقهاء عصر عثمان . وروى ابن حزم الأندلسي أن عبد الله بن مسعود هو أحد الصحابة الذين نُقِل عنهم فتاوى كثيرة . وكذلك الشيخ الطوسي (ت 486 هـ) نَقَل عنه 145 فتوى في كتاب (الخلاف)، منها البقاء على المتعة وإباحتها، ووجوب الوضوء عند لمس المرأة وعدم التيمم للجنابة وتعرضة آرائه الفقيهة بشكل أوسع يمكن مراجعة كتاب (سنن البيهقي) و(المعجم الكبير للطبراني) ، وبنظره عامة للآراء الفقهية لابن مسعود نستطيع أن نلخص طريقة استنباطه للأحكام الإلهية بطريقتين:
الف: كان يعتبر القرآن والسنة النبوية أصلاً مهماً في استنباط الأحكام كباقي الصحابة، ولكن إذا لم يجد حكماً واضحاً في المصدرين المذكورين كان يفتي برأيه على الرغم من أنه يؤكد احتمال حصول خطأ في هذا الرأي .
ب: وفي هذه الطريقة يخالف ويناقض رأيه السابق، ويعتبر الطريق الوحيد للوصول إلى الأحكام الصحيحة هو الاعتماد على القرآن والسنة النبوية فقط، وأي طريق آخر يعتبره خُضلاً .
ويمكن أن نقول أن كل ما حصل في المدرسة الفقهية بالكوفة وخاصة ما بين طلاب المدرسة بعد وفاة ابن مسعود، هو استنباط شخص للأحكام، وأصبحت مدرسة الفقه والحديث لابن مسعود متسعة في الكوفة حيث نجد أن إبراهيم بن زيد النخعي (ت 96 هـ)، وحماد بن ابن سليمان (ت 120 هـ)، وأبو حنيفة (ت 150 هـ)، ومحمد بن حسن الشيباني ( 189 هـ)، وأبو يوسف قاضي (ت 182 هـ) كلهم تتلمذوا في هذه المدرسة، وقد ذكر الخوارزمي الحنفي ان سلسلة شيوخ ابن حنيفة تواصلوا مع أصحاب ابن مسعود في علم الفقه بواسطتين، واعتبر المقدسي أن أهم دليل أدى على اتّباعه الحنفيين هو استناد ابن حنيفة إلى أقوال الإمام علي× وابن مسعود في آرائه الفقهية . ولكن الأئمة × يختلفون مع آرائه الفقهية وهنالك روايات وأحاديث في كتب الشيعة وجوامع الحديث ترفض تلك الآراء بصورة كاملة .

خروج عبد الله بن مسعود من الكوفة:

لا يوجد هنالك دليل واضح من كل المصادر عن سبب خروج ابن مسعود من الكوفة وهجرته إلى المدينة، وربما نستطيع ان نرجع ذلك إلى الخلاف الذي حصل بينه وبين الوليد بن عقبة حول بيت المال، وبسبب المكاتبات التي تمت بين الوليد وعثمان بعد هذه الحادثة . وكذلك مخالفته لمسألة توحيد المصاحف التي تعتبر جزء من الأسباب التي أدت إلى إحضاره للمدينة من قبل عثمان.
وعند خروجه من الكوفة اجتمع الناس عنده ومنعوه من الخروج، ولكن ابن مسعود أجابهم وقال (حسب ما ورد في المصادر والروايات المختلفة): إطاعة عثمان بعهدتي ولا أحب أن أرميه بسهم منى .
وفي قول آخر: نقل رجل من أصحاب ابن مسعود وكان ينتهي إلى قبيلة همدان قائلاً: ان ابن مسعود جمع أصحابه وقال: أتمنى أن يظهر من بينكم أحسن الناس ديناً وعلماً وفقهاً وقرآناً وأعلموا أن القرآن نزل بحروفه وإذا اختلف عليه اثنان فإنهما اختلفا اختلافاً كبيراً . وفي رواية أخرى أنه أوصى الناس بتقوى الله والتمسك بالقرآن .

نتيجة البحث:

عبد الله بن مسعود بناءً على صحبته لرسول الله | ومواكبته له بتمليك مكانة علمية واجتماعية خاصة عند جميع المسلمين، وهذا ما جعله مناصب حكومية عالية في أيام الخلفاء الثلاثة وكذلك عند تأسيس مدينة الكوفة وبداية تشكيلها. وإلى جوار هذه المناصب اشتغل نشر التعاليم القرآنية والأحاديث الفقهية بشكل واسع حتى أنه أصبح واحداً من قليل في الصحابة الذي يُصَعرون الفتاوى وله نفوذ خاص في هذه المدينة وقد استطاع أن يؤسس مدرسة خاصة بالحديث والفقه في مدينة الكوفة.

فهرس المصادر

 

1- أسد الغابة، عز الدين بن أثير علي بن محمد الجزري، ط1، 1425هـ ، دار الفكر، بيروت، لبنان.
2- الاستيعاب في أسماء الأصعاب، يوسف ابن عبد البر، طبعة 1427 هـ، دار الفكر بيروت، لبنان.
3- أنساب الأشراف، أحمد بن يحيى البلاذري، تحقيق سهيل زكار، ط1، دار الفكر بيروت، لبنان.
4- الإصابة في تمييز الصحابة، أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، تحقيق صدقي جميل عطار، ط1، 1421هـ، دار الفكر، بيروت، لبنان.
5- الأخبار الطوال، أحمد بن داود الدينوري، ط1، 1421هـ، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.
6- الإتقان، جلال الدين السيوطي، طبعة 1428 هـ، دار الفكر، بيروت، لبنان.
7- الأحكام في أصول الأحكام، أبو محمد علي أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي، دار الآفاق، بيروت، لبنان.
8- الأعلام لأشهر الرجال والنساء، خير الدين الزركلي، دار العلم للملايين، بيروت، لبنان.
9- أصول الكافي، أبو جعفر محمد بن يعقوب الكليني، ط1، 1426 هـ ، الأعلمي، بيروت، لبنان.
10- بحار الأنوار، محمد باقر بن محمد تقي الملجسي، نشر دار الكتب الإسلامية، طهران.
11- البدء والتاريخ، أبو زيد أحمد بن سهل المقدسي، نشر سنة 1988م.
12- بيت المال بمدءه وتطوراته، خوله شاكر الدجيلي، ط1، 1379هـ، نشر المطبعة الرضوية،
13- البحر المحيط، محمد بن يوسف الأندلسي، دار الكتب العلمية، 1422 هـ، بيروت، لبنان.
14- تاج العروس من جواهر القاموس، محمد مرتضى الزبيدي، نشر دار الفكر، 1414هـ، بيروت، لبنان.
15- تفسير القرآن العظيم، أبو الفداء إسماعيل بن كثير الدمشقي، نشر دار المعرفة، 1412 هـ، بيروت، لبنان.
16- التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة، شمس الدين سخاوي، ط1، 1414هـ، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.
17 – تاريخ خليفة بن خياط، عصفري، تحقيق سهيل زكار، نشر دار الفكر، بيروت، لبنان.
17- تاريخ الرّسل والملوك، محمد بن جرير الطبري، ط7، 1385، انتشارات أساطير طهران.
18- تذكرة الحفاظ، محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، ط2، 1428هـ، دار الكتب العلمية بيروت، لبنان.
19- تاريخ الكوفة، سيد حسين براقي نجفي، ط2، 1388، نشر المطبعة الرضوية.
20- تاريخ الخلفاء، عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، تحقيق محمد محي الدين، عبد الحميد، نشر الشريف الرضي.
21- تاريخ يعقوبي، أحمد بن أبي يعقوب، ط2، 1378هـ، نشر علمي وثقافتي طهران.
22- تفسير القمي، علي بن إبراهيم القمي، ط1، 1428هـ، نشر ذوي القربى، قم.
23- حلية الأولياء، وطبقات الأوصفياء، أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصفهاني، دار الفكر، بيروت، لبنان.
24- حياة الصحابة، علامة محمد يوسف كاندهلوي، تحقيق شيخ هشام بخاري، چاپ 1425هـ، كتابخانه عصرية، بيروت لبنان.
25- الخصال، أبو جعفر محمد بن علي بن بابويه القمي، ط1، 1389هـ، نشر نسيم كوثر قم المقدسة.
26- دائرة المعارف الإسلامية، للبجنوردي، ط5، 1383هـ، طهران.
27- رجال الكشي، ط4، 1424هـ، مركز دراسة كتب العلامة المصطفوي، طهران.
28- سير أعلام النبلاء، شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، ط1، 1417هـ، دار الفكر، بيروت، لبنان.
29- سنن الترمذي، أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة، ط1، 1421هـ، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان.
30- سنن ابن ماجه، أبو عبد الله محمد بن يزيد القزويني، ط1، 1421هـ، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان.
31- سنن الدارمي، عبد الله بن رحمان بن فضل الدارمي، نشر إحياء السنة النبوية، دمشق، سوريا.
32- سنن الكبرى، أحمد بن حسين بن علي البيهقي، طبعة 1426هـ، دار الفكر بيروت، لبنان.
33- طبقات ابن عمرو خليفة بن خياط، تحقيق سهيل زكار، طبعة 1414هـ، دار الفكر، بيروت، لبنان.
34- طبقات الفقهاء، إشراف آية الله السبحاني، ط1، 1418هـ، نشر مؤسسة الإمام الصادق×، قم المقدسة.
35- الطبقات الكبرى، محمد بن سعد، تحقيق سهيل كيالي، ط1، 1414هـ، دار الفكر، بيروت، لبنان.
36- العقد الفريد، أحمد بن محمد بن عبد ربّه الأندلسي، تحقيق محمد عبد القادر شاهين، نشر مكتبة عصرية صيدا، بيروت، لبنان.
37- الفهرست، محمد بن إسحاق نديم، ط1، انتشارات مكتبة ابن سينا.
38- قاموس الرجال، علامة شيخ محمد تقي، التستري، ط3، 1425هـ، مؤسسة نشر إسلامي، قم المقدسة.
39- الكامل في التاريخ، عزالدين بن أثير، ط2، 1374هـ، نشر أساطير، طهران.
40- كشاف إصطلاحات الفنون، محمد بن علي التهانوي، دار صادر، بيروت، لبنان.
41- مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، على بن أبن بكر الهيثمي، تحقيق عبد الله محمد درويش، دار الفكر، بيروت، لبنان.
42- مسند أحمد بن حنبل، دار إحياء التراث العربي، بيروت لبنان.
43- المنتظم في تاريخ الأمم والملوك، عبد الرحمن بن علي الجوزي، دار الكتب، بيروت، لبنان.
44- المستدرك على الصحيحن، أبو عبد الله حاكم النيشابوري، تحقيق د. محمود مطوجي، دار الفكر، بيروت، لبنان.
45- المعجم الكبير، سليمان بن أحمد الطبراني، ط1، 1430هـ، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان.
46- من لا يحضره الفقيه، محمد بن علي بن حسين بن بابويه، ط1، 1426هـ، الأعلمي بيروت، لبنان.
47- المصنف، عبد الله بن محمد بن أبي شيبة الكوفي، دار الفكر، سنة 1409 هـ، بيروت، لبنان.
48- المعارف، عبد الله بن مسلم بن قتيبة، تحقيق. د. ثروت عكاشه، دار المعارف، القاهر، مصر.
49- المصاحف، عبد الله بن سليمان بن أشعث السجستاني، نشر دار الصحابة.
50- المفصل في تاريخ العرب قبل الاسلام ،د.جواد علي ، دار احياء التراث العربي.

عن hoseingh

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *